قبل أن نمضي قدماً، لنتوقف عند كلمة «فن» وما تعنيه.
فهي تشير إلى ما ينطوي عليه الأداء أمام الجمهور من إبداع ومهارة خاصة، يمكن دراستهما وتطبيقهما لتقديم أداء جيد والاستمتاع بالعزف.
والأهم من ذلك أن يستمتع الجمهور بالموسيقى، وينغمس في عالم أخّاذ ترسمه الأصوات والألوان والمشاعر.
أولاً وقبل كل شيء، لا بد من إتقان المقطوعة أو المقطوعات الموسيقية إتقاناً تاماً.
وبالطبع، يختلف مستوى الأداء المطلوب باختلاف السياق؛ سواء كنتم تعزفون كهواة أو تقدمون عزفاً كلاسيكياً منفرداً لمؤلَّف موسيقي معروف، مثل سوناتا لبيتهوفن أو إحدى مقطوعات موزارت.
أما إذا كنتم من عازفي بيانو الجاز، فتختلف المعايير بعض الشيء؛ إذ يعزف عازف بيانو الجاز عادةً ضمن فرقة، ما يضفي على الأجواء مزيداً من الاسترخاء والمتعة.
ومن مزايا ذلك أن عازف بيانو الجاز معتاد على العزف بالسماع، فيغدو الارتجال طبيعياً كالتنفس، ويصبح العزف حافلاً بالحماس وبعيداً عن التوتر. أما العزف من النوتة الموسيقية أو عن ظهر قلب، فهو أصعب ويتطلب تركيزاً أكبر.
ولهذا النوع من الأداء، لا بد من الاستعداد الجيد والتهيؤ وجدانياً وذهنياً، مع صفاء الفكر وكامل التركيز.
لا يخلو العزف على خشبة المسرح في قاعة للحفلات الموسيقية من التوتر، ولا سيما عند تقديم حفل موسيقي منفرد.
ففي الأداء المنفرد، يتولى عازف واحد أداء كل ما يسمعه الجمهور من موسيقى. أما حين يكون الأداء مع أوركسترا أو فرقة، كما في الجاز، فيقل التوتر كثيراً ويصبح العزف متعة حقيقية!
وتبلغ المتعة ذروتها حين تؤدون مقطوعة وتندمجون فيها تماماً، فتنسابون مع الموسيقى وتصبحون جزءاً منها، وتحلّقون بالجمهور في آفاق سماوية، إن جاز التعبير.
وعندها يأتي تصفيق الجمهور حاراً وعفوياً، لا بدافع المجاملة، بل لأن الأداء أبهرهم ونقلهم إلى عالم أسمى من المألوف!
النقطة رقم 1: ألمّوا بمقطوعتكم من جميع جوانبها، ويُفضّل أن يشمل ذلك كل مازورة فيها.
جوانب أخرى تستحق اهتمامكم:
الاستعداد أو الإحماء قبل الأداء
من المهم إحماء أصابعكم قبل الأداء. يمكنكم التدرّب على مقطع محدد من المقطوعة بوصفه تمريناً تقنياً، أو أداء تمارينكم التقنية المعتادة قبل بدء العزف بوقت قصير.
حين كنت أدرس على يد الراحل السيد يوسياس فان دير ميرفي، الذي كان أستاذاً بارعاً في إعداد الطلاب للأداء، كان يطلب منا عزف مقطع سريع من المقطوعة لتدريب الأصابع، مع ضبط المترونوم على سرعة بطيئة، ثم زيادة السرعة تدريجياً حتى بلوغ سرعة الأداء المطلوبة، بكل يد على حدة.
وكان ذلك كافياً للإحماء.
احذروا الإفراط في التدرّب قبيل الأداء.
ما دمتم قد أتقنتم المقطوعة، فاكتفوا بالإحماء، وربما اعزفوا بداية كل مقطوعة لتشعروا بالطمأنينة. واتركوا الأداء الحقيقي للمسرح.
إذا أجدتم العزف مرة، فستجيدونه من جديد!
كان غيرت، صديقي وأكبر داعم لي، يردد هذه العبارة دائماً، وقد أفادتني كثيراً. وهي صحيحة بالفعل؛ فإذا استطعتم أداء مقطوعتكم ببراعة في المنزل، فبوسعكم تقديم الأداء نفسه في أي مكان آخر، مرة بعد أخرى!
مراجعة المقطوعة ذهنياً باسترخاء
ومن الأساليب المفيدة أيضاً أن تستلقوا على السرير و«تعزفوا» المقطوعة كاملة في أذهانكم.
بهذه الطريقة، يمكنكم أن تسمعوا وتشعروا بدقة بما تريدون التعبير عنه في كل جزء من المقطوعة.
قوة العقل تتغلب على الصعوبات
حدّثوا أنفسكم، وذكّروها بأنكم تتقنون ما ستؤدونه، وأنكم قادرون عليه، وأن كل شيء سيكون على ما يرام.
أحرص دائماً على التفكير ملياً قبل أي أداء موسيقي، فهذا يساعدني في كل مرة.
لكن من المهم أن توجّهوا تركيزكم إلى ما يستحقه.
فالتركيز هنا ليس منصبّاً عليكم، أو بالأحرى على «الأنا» التي يعلو صوتها في عالم اليوم؛ بل على الآخرين.
فالغاية هي أن تمنحوا الجمهور المتعة والسرور، وأن تبعثوا شيئاً من السلام والفرح والسعادة في نفوس من يتوقون إليها.
يستطيع عازف البيانو، على الأقل، أن ينقل شيئاً من هذه المشاعر إلى الآخرين. وما أجمل أن تصلكم رسالة إلكترونية تحمل كلمات تقدير رقيقة، وتخبركم كيف انتشلت موسيقاكم شخصاً من اليأس ومنحته الأمل!
لا شيء يضاهي هذا الشعور بالرضا.
عندما تصعدون إلى المسرح، احرصوا بالطبع على ارتداء ملابس أنيقة وملائمة، لكن اختاروا ما يشعركم بالراحة، وانتعلوا حذاءً اعتدتم ارتداءه حتى لا يتحول استخدام دواسات البيانو إلى كابوس.
احرصوا على أن تبدوا مشرقين، وأن تمنحوا الآخرين شيئاً من دفء ابتسامتكم ولطف حضوركم؛ فالاستماع إلى موسيقي ودود أكثر متعة بلا شك.
تدرّبوا مسبقاً على البيانو الذي ستعزفون عليه في الحفل، حتى لا تواجهوا أي مفاجآت.
عند دخولكم إلى المسرح، ابتسموا، ويمكنكم أيضاً الانحناء تحيةً للجمهور أو إلقاء التحية على الحاضرين، لكن حافظوا على تركيزكم منصبّاً على البيانو وعزفكم.
حافظوا على تركيزكم.
بعد أن تجلسوا، خذوا وقتكم وتأكدوا من أنكم مرتاحون، وأن ارتفاع المقعد والمسافة بينكم وبين البيانو مناسبان لكم.
انتظروا حتى تصبحوا مستعدين.
فهذه اللحظات تخلق أيضاً جواً مدهشاً ومفعماً بالترقب والحماس.
لا تتعجلوا.
انتظروا.
استحضروا في أذهانكم سرعة العزف التي ستبدؤون بها، وتأكدوا من أنها ليست أسرع من سرعتكم المعتادة؛ فقد يدفعكم التوتر إلى زيادة السرعة كثيراً، فتضطر أصابعكم إلى الإسراع لأداء ما اعتدتم عزفه بوتيرة أبطأ.
ولحسن الحظ، يساعدكم الأدرينالين على تجاوز الموقف بسلام!
لذلك، امنحوا أنفسكم وقتاً كافياً للاستعداد قبل أن تضعوا أيديكم على مفاتيح البيانو.
ما إن تنطلق النغمة الأولى حتى ينبغي أن توحي بأن شيئاً مدهشاً قد بدأ فجأة، وأن صوتاً بالغ الجمال قد انبعث! ومشاهدة عازفي البيانو الكلاسيكيين وهم يفعلون ذلك تجربة آسرة حقاً.
أتذكر إحدى الحفلات الأولى التي سمعت فيها عازفة البيانو سيلين غورييه-جوبير وهي تعزف.
كان الجو مفعماً بالحماس، ومنذ النغمة الأولى أذهلنا الصوت المنبعث من البيانو، وقدرة هذه العازفة على استخراج صوت بهذا الجمال.
لكنها ملأت القاعة بحضورها، وأخذت وقتها، وانتظرت، ثم عزفت!
يا للروعة!
أهم ما في هذا الفن أن تندمجوا تماماً في الموسيقى التي تؤدونها، وأن تستغرقوا فيها إلى حد لا تعودون معه منشغلين بتعابير وجوهكم أو مظهر شعركم أو آراء الآخرين أو أي شيء آخر؛ فأنتم تبدعون في أثناء العزف وتحلّقون بالجمهور إلى آفاق سماوية، إن جاز التعبير.
بعد انتهاء أدائكم، سيصفق لكم الجمهور.
فاحرصوا على تحية الجمهور تقديراً لتصفيقه.
انحنوا، أو أدّوا تحيةً بثني الركبتين، واستمتعوا بتقدير الجمهور وتقبّلوا شكره؛ فأنتم تستحقونه.
أتذكر أنني عزفت ذات مرة كونشيرتو للبيانو من تأليف تورينا بمصاحبة أوركسترا.
كنتُ مستغرقةً تماماً في الموسيقى، حتى إنني عندما اختُتمت هذه المقطوعة الإسبانية الدرامية باستعراض مبهر وتآلفات قوية، غادرتُ المسرح مسرعةً ونسيتُ تماماً أن أنحني للجمهور.
ولحسن الحظ، أعادني مدير المسرح لأؤدي انحناءة التحية؛ فقد أسرت هذه الموسيقى الجميلة الجمهور كما أسرتني، وهي من تأليف ذلك المؤلف الموسيقي العظيم!
لذا، لا تنسوا أن تنحنوا للجمهور، واستمتعوا باللحظة.
بعد انتهائكم من الأداء، تحدثوا مع الجمهور إن أمكن. فقد استمتعوا بعزفكم، وسيسرّهم على الأقل أن يعبّروا لكم عن ذلك.
وهكذا، قدّمتُ لكم لمحة موجزة عن فن العزف على البيانو أمام الجمهور، على خشبة المسرح وفي عالم الموسيقى الكلاسيكية.
أما إذا كنتم تعزفون الجاز، فستجدون عازفيه أكثر استرخاءً، لكن لا تستهينوا ببراعتهم في العزف على البيانو.
إنها براعة استثنائية حقاً.
أما أجواؤه فمختلفة إلى حد ما، وفيها حرية أكبر بكثير.
ومن أجمل ما يميّز أداء الجاز على البيانو أنكم تستطيعون ترك إحساسكم يقود عزفكم، وأن تعزفوا، بمعنى ما، من دون إعداد مسبق، لأن كل شيء يُؤدّى في لحظته.
عليكم بالطبع معرفة تغيّرات التآلفات والقدرة على تمييزها سمعياً، لا سيما إذا كنتم تعزفون ضمن فرقة؛ فعندما ترتجل الآلات الأخرى، يتولى البيانو المصاحبة.
اعزفوا واستمتعوا، وانغمسوا في الموسيقى.
سواء عزفتم منفردين أو ضمن فرقة، استمتعوا!
