نتذكر جميعاً جائحة كورونا وCOVID-19، حين كاد العالم يتوقف تماماً وأُغلقت مختلف الأماكن التي تشهد تفاعلاً مباشراً بين الناس، من مدارس وجامعات ومتاجر ومراكز تسوق وغيرها.
لذلك، لجأ معظم طلاب المدارس والجامعات إلى استكمال دراستهم عبر الإنترنت، بل أُجريت امتحانات كثيرة عن بُعد. وقد حملت تلك الفترة جوانب إيجابية عديدة، إذ أتاحت وقتاً وفيراً لاكتشاف المواهب وقراءة الكتب وتعلّم الكثير.
واتجه بعض الأشخاص إلى دراسة الموسيقى عبر YouTube أو محرك بحث Google، أو من خلال دروس عبر الإنترنت مع أستاذ موسيقى.
لنتعرّف إذاً إلى مزايا التعلّم عن بُعد، ومدى انتشاره في الوقت الحاضر، وما إذا كان يمكن أن يتفوق على الدراسة الحضورية أو الدروس التي يحضر فيها الطلاب داخل الصف.
قد تفي دروس الموسيقى عبر الإنترنت بالغرض لبعض الوقت.
يمكنكم تعلّم النظرية الموسيقية والمعلومات الأساسية، لكن مع تقدّمكم في المستوى، ستصبحون في حاجة ماسّة إلى دروس بيانو حضورية رفيعة المستوى.
لنفترض مثلاً أنكم تتلقون دروس البيانو عبر الإنترنت. مهما بلغت درجة وضوح الصورة وجودة الصوت، لا بد من تلقّي دروس حضورية، لأن التجربة تختلف في كل تفاصيلها، بما في ذلك وضعية جلوسكم وطريقة لمسكم مفاتيح البيانو.
كما تتيح لكم الدروس الحضورية سماع الصوت الطبيعي للبيانو عندما يعزف معلّمكم، وتساعدكم على الخروج من عزلة التعلّم الفردي. فإذا كنتم تفكرون في العزف خلال أمسية موسيقية أمام جمهور، فلا بد أن تعزفوا أمام معلّمكم مباشرةً وأن تعتادوا الأداء أمام الآخرين، سواء أكانوا معلّمين أم طلاباً.
إضافة إلى ذلك، ثمة تقنيات عزف لا يمكنكم أداؤها على الوجه الصحيح من دون حضور أستاذ الموسيقى معكم في الدرس نفسه؛ فهو يؤديها أمامكم مباشرةً، ويرشدكم منذ البداية إلى وضعية الجلوس الصحيحة، والوضع الصحيح لليدين والأصابع على مفاتيح البيانو.
في المقابل، يتمتع التعلّم عن بُعد ببعض المزايا:
أولاً، تكون تكاليف التعلّم عبر الإنترنت دائماً أقل عبئاً من الناحية المالية.
ثانياً، لا تحتاجون إلى السفر إلى دول أخرى لدراسة مجالكم أو تخصصكم؛ إذ يمكنكم التعلّم من بلدكم، بل من منازلكم.
وهاتان الميزتان هما الأهم في مجال التعلّم عن بُعد عبر الإنترنت.
لذلك، أنصحكم بمواصلة التعلّم الحضوري حتى إن كان أعلى تكلفة، فهو أكثر فائدة من حيث المعرفة والخبرة والأثر النفسي. أما التعلّم عن بُعد، فيظل، كما ذكرت، خياراً ثانوياً عند الضرورة، مثل عدم كفاية الموارد المالية أو تعذّر السفر أو وقوع جوائح عالمية، لا قدّر الله.
كما أن بعض المراجع الأكاديمية، سواء في الموسيقى أو غيرها من المجالات، لا تتوافر دائماً عبر الإنترنت، ولا بد من شرائها من المعاهد الموسيقية أو المكتبات.
لا شك في أن YouTube أصبح اليوم أحد أفضل المعلّمين لكثير من محبي الموسيقى؛ فهو يضم آلاف المقاطع التعليمية الموسيقية التي تلقى إقبالاً كبيراً من الراغبين في التعلّم الذاتي أو الباحثين عن خيارات أقل تكلفة وجهداً. وهذه إحدى المزايا التي تجعل التعلّم عن بُعد عبر الإنترنت بالغ المرونة.
وفي المقابل، يدرّ ذلك دخلاً كبيراً على صانعي المحتوى في YouTube؛ إذ يكسب كثيرون رزقهم من خلال منصة YouTube وتطبيقات الهواتف التعليمية المتاحة على أحدث هواتف iPhone. كما تحقق هذه التطبيقات عائدات كبيرة لمصمميها.
لكن معظم هذه التطبيقات التعليمية لا يمكن استخدامها على الهواتف المحمولة من دون سداد رسوم من خلال حساب مصرفي، وقد تكون تكلفتها مرتفعة إلى حد كبير.
لذلك، ستظل أساليب التعليم التقليدية مفيدة لكم، ولا سيما عند بلوغ مرحلة متقدمة من الدراسة أو التدرّب، حين تصبح الدروس الحضورية ضرورة لا غنى عنها.
الخلاصة
نحن مقبلون على عصر بالغ التطور في تقنيات الصورة والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، وتتطلب هذه التطورات في المقام الأول هاتفاً محمولاً متطوراً للغاية واتصالاً بالإنترنت.
ويحقق كثيرون اليوم أرباحاً من العمل عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي مثل Facebook، من خلال إنشاء صفحات تعتمد على عدد المشاهدات لتحقيق الدخل.
وبات الذكاء الاصطناعي مستخدماً في جميع المجالات تقريباً، مثل الرسم والتصميم والهندسة والديكور، بل امتد استخدامه حتى إلى الموسيقى، مثل التأليف، وإلى المونتاج السينمائي وإنتاج أفلام قصيرة مدمجة بجودة ودقة عاليتين.
لذلك، أتوقع أن تواصل التكنولوجيا انتشارها الواسع حول العالم، لكنها لا يمكن أن تقوم بذاتها ما لم تستند إلى الأسس التقليدية، سواء في التعليم أم في أي مجال آخر.
يكمن الذكاء في تحقيق التوازن بين الخيال والمعرفة والحقيقة، أو بين غير الملموس والواقع الملموس والطبيعي والدائم.









