كثيراً ما نسمع هذا الكلام في أحاديثنا الأولية مع الطلاب الراغبين في الانضمام إلينا. لكن كيف يعرف المرء إن كان موهوباً؟ لطالما قلت إنني سأكون سيئاً للغاية في ركوب الأمواج؛ فأنا لا أتمتع بمرونة كبيرة، ولا أملك حقاً تلك الجرأة الصبيانية في الماء، ولذلك أحجمت عن تعلّمه رغم الفرص التي أتيحت لي. وربما لو أجبرني أحد على خوض التجربة، فمن يدري؟ لعلني كنت سأعيش اليوم في بلدة لركوب الأمواج في إحدى الوجهات البعيدة. وقد اهتممت ذات مرة بالتصوير الفوتوغرافي، واليوم أعمل بدوام جزئي في تصوير حفلات الزفاف، إلى جانب أعمال أخرى، لأنني خضت التجربة واكتشفت ما أستطيع فعله.
أما في العزف على البيانو، فقد لا تكونون موهوبين الآن، قبل أن تبدأوا التعلّم، لكنكم قد تصبحون عازفين بارعين إذا تلقيتم أفضل تعليم على يد المعلّم المناسب. ربما لن تصبحوا مثل رحمانينوف، لكنكم سرعان ما ستتمكنون من عزف بعض كلاسيكيات عيد الميلاد أو أغنيتكم الهادئة المفضلة.
لا تحرموا أنفسكم من المحاولة. فكل الموهوبين وُلدوا مثلكم، ثم أسهمت عوامل مختلفة في تنمية قدراتهم: اهتمام حقيقي، أو تشجيع من الوالدين، أو ظروف اجتماعية مواتية، أو معلّم في المدرسة، أو ببساطة قدر راسخ من العزيمة. لم يولد مو فرح راكضاً بأقصى سرعة على مضمار السباق؛ بل أمضى سنوات طويلة يتدرّب ويبذل الجهد حتى فاز بالميداليات الذهبية. إنه مثال بارز لمن يحوّل العزيمة إلى عمل وإنجاز.
وهذا ما فعله أيضاً كبار عازفي البيانو؛ فقد أمضوا ساعات طويلة أمام البيانو، يتأملون الموسيقى ويسعون إلى فهمها. وكل ذلك جزء من طريق التميز، إذ لا ينفصل إتقان العزف عن فهم الموسيقى.
قد تتساءلون أيضاً عما إذا كان حجم أيديكم مناسباً للعزف. لطالما قيل لي إن أصابعي تشبه أصابع عازفي البيانو، لكن عازفة البيانو الشهيرة جداً والمتألقة ماريا جواو بيريش تتمتع بيدين صغيرتين جداً، خلافاً للاعتقاد الشائع بأن إتقان العزف يتطلب يدين كبيرتين أو أصابع طويلة.
حتى القدرة السمعية يمكن تنميتها من خلال تدريب الأذن الموسيقية، أما الاعتقاد بأن بعض الأشخاص عاجزون عن تمييز النغمات فليس سوى خرافة. صحيح أن بعض الناس يولدون بقدرة السمع المطلق، وهي ظاهرة سمعية نادرة تتيح للشخص تحديد نغمة موسيقية معينة أو إعادة إنتاجها من دون الاستعانة بنغمة مرجعية. ويقدّر الباحثون أن هذه القدرة توجد لدى 1 من كل 10,000 شخص. ورغم صعوبة اكتساب هذه القدرة نفسها بدرجة مثالية، يمكن تنميتها إلى مستوى قريب جداً من الإتقان.
صحيح أن الاستعداد الفطري أو «الموهبة» في نشاط معين يمنح صاحبه بداية جيدة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق النجاح. فالإجادة الطبيعية لشيء ما لا تعني التميز فيه؛ وحدهما العمل والتدرّب يصنعان ذلك. ولهذا فاز مو فرح بالميدالية الذهبية، وحصدت أديل جوائز عديدة، وما زال شوبان يحظى بالتقدير حتى اليوم.
قال أحد كبار عازفي البيانو لسيلين ذات مرة: «لن يصبح صاحب 80% من الموهبة و0% من التدرّب عازف بيانو عظيماً أبداً، بينما سيصبح كذلك من يمتلك 20% من الموهبة و80% من التدرّب».
وأخيراً، درّسنا على مرّ السنين عدداً كبيراً من الطلاب، ولم نصادف حتى الآن شخصاً لا يستطيع العزف على البيانو. فهذا ببساطة أمر غير وارد.
