أتخيّل أنك وصلت إلى مرحلة من حياتك تشعر فيها بقدر كبير من الرضا: فأنت تعرف دورك الوظيفي، وتدرك أنه إذا أردت التقدّم، فستتاح لك دورات تدريبية إضافية وفرص للترقية تسعى إليها. لديك منزل رائع وأسلوب حياة يسعدك، ويشغل أصدقاؤك وعائلتك وقتك. وتظن أنك حققت الاكتفاء.
لقد تعلمت منذ زمن كيف تمشي وتقود وتطهو. وأنت تعرف كيف تركب الدراجة أو تبني جداراً، بل ربما تكون مؤهلاً للمنافسة في Mastermind بفضل معرفتك بأسباب الحرب العالمية 2 ونتائجها…
أو ربما تكون ببساطة ممن لا يرغبون في تعلّم أي شيء يتجاوز ما يعرفونه بالفعل.
لكن ربما، وربما فقط، تتوق إلى تعلّم المزيد؟ وهل كنت ستدرك ذلك أصلاً قبل أن تجرّب؟ ما دمت تقرأ هذا، فلا بد أنك تشعر ببعض الفضول على الأقل.
يشغل بعض الناس وظائف تتطلب مسؤوليات كبيرة، ويحتاجون إلى كامل قدراتهم الذهنية ليظلوا متيقظين وعلى أتم استعداد. ولكن ماذا لو وجدوا وسيلة لموازنة ضغوط العمل كلها من خلال تعلّم مهارة جديدة بعيدة بعض الشيء عن عالم الشركات؟ لعلهم يجدونها في جانبهم الإبداعي. فمن المعروف أن تعلّم مهارة جديدة يساعد على تخفيف التوتر عبر تحويل الطاقة السلبية إلى طاقة إيجابية؛ كأن تتعلّم العزف على آلة موسيقية جميلة تستمتع بها. وإذا أتقنت التعلّم والعزف، فستتغلب على التوتر السلبي بتفريغه على المفاتيح (في حدود المعقول!) وإبداع صوت رائع تستمتع به أنت ومن حولك. بل إن الغناء أيضاً معروف بقدرته على تخفيف التوتر، أياً كان الإيقاع الذي تفضّله، سواء أكان الروك آند رول أم الهيب هوب.
إن توجيه بعض الطاقة الإضافية نحو التعلّم سيعود عليك بأكثر من فائدة. وأعظمها الشعور بتحقيق الذات، تليه الفوائد الصحية المهمة، مثل السلامة العاطفية والقدرات الإدراكية والوظائف السمعية، فضلاً عن مزايا إضافية كالتعرّف إلى أشخاص جدد من خلال الجلسات الجماعية أو الفعاليات الاجتماعية. وربما أيضاً متعة العزف أمام جمهور في يوم من الأيام.
لا بد أن يضيف التعلّم وتراً آخر إلى قوسك (اعذرني على التورية)، ومهارة أخرى إلى قائمة «أستطيع أن...» الخاصة بك.
وقد يزيد دخلك في مرحلة ما، إذا رغبت في الكسب من مهارتك المكتشفة حديثاً. ومن المؤكد أنه سيعزّز ثقتك بنفسك ويوسّع دائرة علاقاتك الاجتماعية، ما يجعلك أكثر سعادة. وقد يدفعك أيضاً إلى إنجاز أمور أخرى مدرجة على قائمة مهامك.
وماذا عن الأشخاص الذين لديهم متسع من الوقت؟ كبر الأبناء وغادروا المنزل. وقد يعمل شريك الحياة في ساعات غير اعتيادية، أو تكون لديه اهتمامات لا تستهويك. وربما يكون شريك الحياة قد توفي. أما التقاعد، فيترك للمرء الكثير من وقت الفراغ. وهنا يصبح هناك وقت لا بد من شغله. وعلينا جميعاً أن نعترف بأن البرامج التلفزيونية النهارية رتيبة. إن شغل هذا الوقت بتعلّم شيء جديد، في أي عمر، يعود بفوائد كثيرة. كما قد يكون التعلّم مفيداً جداً عند الإصابة بمرض، وفقاً لمدى شدته، فهو على أقل تقدير يصرف ذهنك عن أي ألم. ولا شك أن ملء الأيام الطويلة بمهارات جديدة وأصدقاء جدد يغذي الروح ويحافظ على صحة الدماغ. وتوجد دورات كثيرة في مراكز تعليم الكبار، ويمكنك اختيار ما يستهويك منها. ذلك الصوت الداخلي الذي لا يكف عن الهمس لك: “همم، أود أن أعرف كيف أطهو الطعام الهندي، أو العزف على البيانو” يمكن أخيراً إسكات ذلك الصوت!
لا نهاية للتعليم. فالأمر لا يقتصر على قراءة كتاب واجتياز اختبار ثم الانتهاء من التعليم. إن الحياة بأكملها، منذ لحظة ميلادك وحتى لحظة وفاتك، هي رحلة تعلّم.






