هل راودتني دائماً رغبة في العزف، أو حلم بأن أصبح عازف بيانو ولم أحققه؟ لا، لم يكن هذا حالي. لم أكن أعرف عن البيانو سوى أمرين: 1- أن له مفاتيح سوداء وبيضاء؛ و2- أن بيتهوفن كان أصمّ، لكنه كان بارعاً في العزف عليه.
لطالما ظننت أنني لا أملك حساً موسيقياً، وأن العزف على آلة موسيقية يعتمد على الموهبة الفطرية: فإما أن يمتلكها المرء أو لا يمتلكها. ولحسن الحظ، كنت مخطئاً.
ليت الرغبة في العزف راودتني منذ البداية. فبعد أن عرفت ما أعرفه اليوم، أتساءل لماذا لم أهتم بالموسيقى في سنوات المراهقة أو قبلها. لم تستهوِني الموسيقى يوماً لأعزفها؛ بل اقتصرت علاقتي بها على الرقص على أنغامها في نوادٍ ليلية مريبة ذات أرضيات لزجة. ويمكنني القول بصدق إن فكرة العزف على آلة موسيقية بالكاد خطرت ببالي قبل أن أبلغ منتصف الثلاثينيات. لم يكن والداي ممن يدفعون أبناءهم إلى أي شيء سوى الدراسة الأكاديمية، فلم أتلقَّ أنا ولا شقيقاي الأكبر مني أي تشجيع على ممارسة الموسيقى أو غيرها من الأنشطة. ولم يكن في عائلتنا من يلهمنا موسيقياً سوى والدتي، التي كانت تغني ضمن رباعي نسائي بأسلوب الباربرشوب، ولم أكن مؤهلاً للانضمام إليه لأسباب واضحة.
لم يظهر اهتمامي بالبيانو إلا بعد أن تجاوزت سن 30 ببضع سنوات. كنت أعيش في الأردن حين حضرت حفلاً موسيقياً حياً لعازف البيانو الأردني زيد ديراني في مدرّج عمّان. لم يكن الحفل رائعاً فحسب، بل كانت تلك المرة الأولى التي أشاهد فيها عرضاً لا يكون محوره مغنياً أو ممثلاً، بل الآلة الموسيقية نفسها. كان من المدهش أن أرى عازفاً يؤدي بهذه السلاسة والأناقة. وقد أشعل ذلك الحفل في داخلي رغبة في أن أعيش بنفسي شيئاً من ذلك «السحر».
وعلى الرغم من قوة ذلك الشعور، واصلت اختلاق الأسباب التي تمنعني من البدء: «ليس لدي وقت، أنا أكبر من أن أبدأ، أنا مشغول جداً» وما إلى ذلك. فالصوت الداخلي السلبي يجد دائماً وسيلة ليثنينا عن الإقدام على شيء جديد إن لم ننتبه إليه، وهكذا لم أبدأ فعلياً.
ولم أحسم أمري وأبدأ إلا بعد بضع سنوات، حين انتقلت للعيش بالقرب من دبي. وجاءت نقطة التحول عندما استمعت إلى حلقة بودكاست لديفيد غوغينز، أحد أفراد القوات الخاصة البحرية الأمريكية سابقاً (ابحثوا عنه)، وكان يتحدث فيها عن المجازفة في الحياة. قال: «بدلاً من التفكير في كل الأسباب التي تمنعكم من فعل شيء ما، اسألوا أنفسكم: ماذا لو استطعتم؟ ماذا لو حققتم ذلك الشيء المستحيل؟» وعادت الفكرة إلى ذهني: ماذا لو استطعت أن أتعلّم العزف بإتقان؟ يا لها من فكرة مجنونة! لكنني أصغيت إليها هذه المرة.
بعد بحث سريع عن دروس البيانو في دبي، وجدت مدرسة S&C للبيانو وحجزت درسي الأول مع ستيفان جوبير. كنت بالطبع متحمساً ومتوتراً بعض الشيء. تساءلت في نفسي: «ماذا سيحدث؟ هل سيكون المعلّم صبوراً؟ هل سيكون الأمر بالغ الصعوبة؟» لكنني، ولحسن الحظ، فكرت في الوقت نفسه: «ماذا لو استمتعت بالتجربة؟ ماذا لو استطعت أن أتعلّم العزف بإتقان؟»
كان درسي الأول في دبي، داخل مبنى شاهق، ولم يكن الوصول إلى المكان سهلاً. ظننت أن ذلك ربما كان أول اختبار لمدى التزامي، وأن الطلاب الأكثر تفانياً وحدهم سينجحون في بلوغ الاستوديو في ذلك الطابق المرتفع للغاية! كنت أخشى أن تكون قلة خبرتي عائقاً، لكن لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق. جلست أمام البيانو وأخبرت ستيفان أن معرفتي الموسيقية آنذاك لا تتجاوز معرفة قرد شمبانزي، فبدلاً من أن يقلق، سُرّ كثيراً! فهو يرى أن البدء مع عازف بيانو جديد من الصفر أمر ممتاز، إذ «لا توجد عادات سيئة تحتاج إلى تصحيح».
على أي حال، ما زلت أتلقى الدروس بعد مرور 18 شهراً، وما زلت أحب هذه التجربة. يسعدني أنني تحليت بالشجاعة واتخذت قرار البدء آنذاك. لا أستطيع تغيير الماضي، لكن يمكنني التركيز على الحاضر وتقديم أفضل ما لدي. لم أتلقَّ بعد دعوة للعزف في الأردن، لكنني واثق بأنها مسألة وقت فحسب!
تذكّروا أنه لا توجد قواعد تحدد متى أو كيف ينبغي لكم أن تبدأوا، ولا مقدار الحس الموسيقي الذي يجب أن تمتلكوه. لا يهم أين تبدأون أو متى؛ ابدؤوا وحسب. تراودنا جميعاً الشكوك، لكن اسألوا أنفسكم سؤالاً واحداً.
ماذا لو؟







