عندما تستمعون إلى موسيقى مفعمة بالمشاعر وتلامس أعماقكم، فلا بد أن تتساءلوا عن مؤلفها وكيف استطاع إبداع موسيقى بهذا القدر من التأثير.
لذلك، سأقدم لكم شرحاً وافياً للتأليف الموسيقي على البيانو، ولمعنى الإلهام وكيفية توظيفه في إبداع الموسيقى ومقطوعات البيانو.
التأليف الموسيقي هو نقل ما يختلج في أعماق النفس البشرية من انطباعات ومشاعر وأفكار وفلسفة، وتحويله إلى ألحان ومؤلفات تُدوَّن بلغة الموسيقى، ثم تصل إلى مسامعنا حين تؤديها آلة موسيقية في صورة لحن أو مقطوعة أو عمل متكامل.
تقوم معظم الأعمال الموسيقية العظيمة على فلسفة عميقة وأسس وقواعد موسيقية راسخة. وينطبق ذلك أيضاً على أهم مقطوعات البيانو، التي روت لنا حكايات تنطوي على فلسفة عميقة ومشاعر جياشة.
لذلك، تعتمد الموسيقى الملهمة بالضرورة، وقبل كل شيء، على الفلسفة وترابط الأفكار بأسلوب عقلاني ومبدع وسلس ومفهوم، يجمع بين البساطة والعذوبة.
وهنا نتذكر مقولة فيلسوف البيانو والمؤلف الموسيقي الكبير فريديريك شوبان، الذي أثرى الإنسانية ببعض أعمق مقطوعات البيانو وأكثرها شاعرية ورومانسية: «البساطة هي الغاية القصوى التي يمكن بلوغها بعد تجاوز جميع الصعوبات. فبعد أن يعزف المرء عدداً هائلاً من النغمات، ثم المزيد والمزيد منها، تبرز البساطة بوصفها تاج الفن ومكافأته.»
فالبساطة هي أسمى المراتب والغاية القصوى، كما قال الرسام الكبير ليوناردو دا فينشي. ويمكننا تشبيه التأليف الموسيقي بكرسي ذي ثلاث أرجل: الأولى هي الفلسفة والبساطة، والثانية هي الموهبة، والثالثة هي العمل الجاد.
إذا كنتم من محبي البيانو وترغبون في تأليف مقطوعات موسيقية عليه، فعليكم أولاً فهم طبيعة هذه الآلة وكيف يتحقق الهارموني بين نغماتها المختلفة. وإذا كنتم من الهواة ولا تفضّلون الدراسة الأكاديمية للتأليف الموسيقي، بل ترغبون في التأليف بأنفسكم، فأنصحكم بالاستماع إلى موسيقى الموسيقي ياني والموسيقي فانغيليس، وهما من أصل يوناني.
استطاع هذان الموسيقيان تأليف الموسيقى وتحقيق شهرة عالمية من دون دراسة أكاديمية للموسيقى. فقد تعلّما بنفسيهما، لكنهما امتلكا بلا شك عبقرية فريدة مكّنتهما من بلوغ كل هذا المجد والشهرة.
إذا كنتم شغوفين بالموسيقى وترغبون في تأليف مقطوعات على البيانو، فاستمعوا باستمرار إلى مختلف الأساليب والأنواع الموسيقية، وأثروا ذائقتكم الموسيقية بالاستماع إلى أروع الأعمال الموسيقية العالمية وأهمها، من الموسيقى الكلاسيكية والجاز والبلوز والروك إلى موسيقى العصر الجديد.
تعرّفوا بعمق إلى موسيقى العالم ومختلف العصور، وابدؤوا حتماً بتعلّم المقامات الموسيقية، وعددها 15 مقاماً، ثم تعلّموا الأبعاد الموسيقية، أي الفواصل، وتعرّفوا إلى السلم الصغير والسلم الكبير، وإلى الفواصل الناقصة والزائدة.
هذه مبادئ بسيطة يمكنكم إتقانها لأنها من أساسيات الموسيقى. تعلّموا بعد ذلك العزف بكلتا اليدين؛ فحاولوا مثلاً عزف لحن أغنية تحبونها على البيانو باستخدام اليدين معاً. وهذا ما يُعرف بالعزف السماعي، الذي يعتمد إلى حد كبير على الأذن الموسيقية.
حاولوا بعد ذلك تحديد المقام المناسب لهذا اللحن على البيانو، وملاحظة كيفية تغيّر المقامات بتغيّر اللحن. وهنا تتولى اليد اليسرى ضبط الهارموني الصحيح للحن الذي تعزفه اليد اليمنى. ومن هذه النقطة تبدأ رحلتكم الطويلة مع العزف على البيانو والتأليف الموسيقي.
أما إذا أردتم دراسة التأليف الموسيقي والعزف على البيانو وفق منهج أكاديمي، فمن الطبيعي أن تستعينوا بمعلّم موسيقى أو تلتحقوا بإحدى الأكاديميات أو معاهد الموسيقى، وهو بالتأكيد خيار جيد ومنطقي.
لكن، وبكل صراحة، تذكّروا أنه مهما تعمقتم في الدراسة الأكاديمية للموسيقى، فلن تتمكنوا على الأرجح من الاستمرار في مجال التأليف أو الموسيقى عموماً إذا افتقدتم الركائز الثلاث التي ذكرتها سابقاً: أولاً، الفلسفة والبساطة؛ ثانياً، الموهبة؛ وثالثاً، العمل الجاد.
يمكنكم أداء مقطوعات بسيطة على البيانو، وهذا أمر طبيعي وجميل، لكن أن تصبحوا من الموسيقيين الحقيقيين أصحاب البصمة الأصيلة فذلك نادر جداً، ويتطلب تميزاً وذكاءً كبيراً وإبداعاً رفيع المستوى.
الخلاصة
هذه خلاصة تجربتي الشخصية؛ فأنا عازف بيانو ومؤلف موسيقي تعلّمت بنفسي. صحيح أنني أحمل دبلوماً في البيانو من المعهد الموسيقي، لكنني بدأت دراستي الأكاديمية في سن متأخرة، بعدما كنت قد ألّفت العديد من مقطوعات البيانو الخاصة بي، التي حظيت بتقييم جيد من خبراء الموسيقى، كما أدّاها عازفو بيانو متميزون وأكاديميون.
أعمل اليوم معلّماً للبيانو في أحد أهم معاهد الموسيقى، ويسعدني كثيراً أن أنقل خبرتي الموسيقية إلى طلابي بكل شفافية وبساطة ووضوح.
وعندما أتذكر مقولة بيتهوفنعظيمة تقول إن الطبيعة هي المعلّم الحقيقي ومصدر الإلهام الوحيد لكبار الفنانين، أشعر بالطمأنينة والراحة لأنني كنت أطبق هذه المقولة في كل خطوة من حياتي.
أشعر بالفخر لأنني إنسان عصامي، وكان شعاري الدائم الصدق والعفوية والطبيعة. وتتلخص فلسفتي في الحياة في أنه لا شيء يستحق المعاناة سوى الهدف والطموح اللذين سأبذل من أجلهما قصارى جهدي.
وتذكّروا دائماً قول جورج ماكدونالد :
«نصف شقاء الناس يأتي من محاولتهم إظهار ما لا يملكونه.»
لذلك، كونوا صادقين تماماً مع أنفسكم أولاً، حتى تتمكنوا من تقديم كل ما هو نفيس وقيّم وذو معنى لمن حولكم، سواء في الموسيقى أو في أي مجال آخر، وبذلك تحققون النجاح بمعناه الحقيقي.






